خليل الصفدي
121
أعيان العصر وأعوان النصر
وتنبيه المفتقر إليها على ما أودع في أثنائها من الكنوز ، وادّخر في أرجائها من المطالب . ولما وقفت على تلك البدائع ، وفهمت ما تضمنته من النكت الروائع ، وعلم مني أني ممن يعرف الدر وإن لم يملكه ، وينتقد التبر وإن لم يسبكه ، ولذلك أتعوض فيما أعانيه من الكتابة عن الدر بالخرز ، وأكتفي عن أبكار المعاني الجليلة من العون المسنة بما هو سداد من عوز ، سامني مع ارتفاع شأنه في هذه الصناعة ، وإثرائه دوني من نفائس هذه البضاعة ، أن أجيزه رواية نظمي الذي قدمت العذر في انتهاج طريقه ، ونثري الذي أوضحت السبب في مصاحبة فريقه ، ومكاتباتي التي أنشأتها بسبب الوقائع التي دعت إليها ، وتواقيعي التي ارتجلت غالبها لحفز الدواعي الباعثة عليها ، ولمالي في قواعد ذلك من تأليف وتصنيف ، وانتخاب غني بشهرته عن التصريف ، فسألته الإعفاء من هذه الدرجة التي قدره أرفع منها ، ورغبت إليه في قبول القول بالموجب في إجازتي من فوائده التي هي أحق بأن يروي غريبها ، ويحدث عنها فلم يعف من تلك الإشارة التي قصده بها الإحسان ، ومراده أن ينظم سبح نظمي في سلك ما يؤخذ عنه من درر بدائعه الحسان . فامتثلت أمره أعزه اللّه - تعالى - ، ونفع به ، وأجزته رواية ما يجوز لي ، وأتيه من مسموعاتي ومقروءاتي ، واختياراتي ومناولاتي ، وما لي من نظم مختلف الأوضاع ، مستحق لولا ما يضوع فيه من المدائح النبوية أن يضاع ولا يذاع ، وإنشاء نوعته كثرة المباشرة ، وكثرته المحافظة على الوظيفة والمثابرة ، ونفحته فوائد المطارحة والمذاكرة ، إلى ما يندرج في سك ذلك من تأليف ، حمل عليه التنقيب عن أسرار هاتين الصناعتين ، واختيار واختصار ، وانتقاء وانتقاد ، وانتخاب تكلمت على ما فيه من معنى مستملح وأدب مستفاد ، ورغبت إليه في أن يصلح من ذلك ما أغفله القلم ، وزل فيه الفكر الذي عثرته أبلغ من عثرة القدم ، إذ هو الملئ بالإحسان في ذلك الجدير بتوطئة ما تعذّر سلوكه على السالك . ومولدي بحلب في شعبان سنة أربع وأربعين وستمائة ، وهي إذ ذاك للعلوم معالم ، ولوفود الفوائد مواسم ، وسمعت بها الكثير ، ولكن أين أصوله ؟ ، وفقد لي في الوقعة ثبت كبير ، ولكن كيف حصوله ؟ فإن وجد في ذلك شيء في الأصول ، فهو أصل في هذه الإجازة ، وإن تعذّر وجوده ، فكم سلبت بضاعة فضل في أثناء مفازه . وكتب : محمود بن سلمان في المحرم سنة ست عشرة وسبعمائة . 1064 - عبد المؤمن « 1 » كان مقداما جريئا ، شجاعا من الخير بريئا ، لا يهاب سيول السيوف إذا تحدّرت ،
--> ( 1 ) انظر : السلوك : 2 / 3 / 604 ، والدرر الكامنة : 3 / 2529 .